الرموز الكونية عند الصوفية فى التفعيل والممارسة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الرموز الكونية عند الصوفية فى التفعيل والممارسة

مُساهمة من طرف الجعفري في الخميس يوليو 09, 2015 12:21 pm

الرمز عند الصوفي تفعيل وممارسة


ارتبطت قراءة الرموز الكونية بالدين الحنيف ([1]) حتى قبل ظهور قراءة رمزية الكتابة و الحروف حيث إن في قصة تقبل الله تعالى لقربان هابيل بأن نزلت نار من السماء فأحرقته دلالة على القبول جاء في تفسير سورة المائدة : إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا أي: أخرج كل منهما شيئا من ماله لقصد التقرب إلى الله، فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ بأن علم ذلك بخبر من السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن تنزل نار من السماء فتحرقه ([2]) كما طولب سيدنا زكريا بأن يقرأ في عقل لسانه عن الكلام بغير ذكر الله تعالى وذلك في قوله تعالى : قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ، آية و علامة على استجابة الله دعاءه بأن يهب له من لدنه ذرية طيبة فسأل ربه وناداه نداء خفيا ، وقال : رب هب لي من لدنك أي : من عندك ذرية طيبة أي : ولدا صالحا إنك سميع الدعاء ([3]) لا يخفى على أحد أن الصوفية يجمعون على غاية واحدة يتكبدون في سبيلها كل مشاق الطريق و إنما افترقت تعاريفهم للتصوف افتراقهم في المقام الذي من خلاله حاولوا تعريفه، يذكر الدكتور علي جمعة في هذا الصدد أنه لا تعدد في وجوه التصوف، إنما التعدد في أحواله ومقاماته التي ينبني عليها الوجه الأوحد للتصوف وهو التوجه لفاطر السموات والأرض في كل حال، ويظهر هذا الوجه في قوله تعالى: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ([4]) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ([5]).

وإذا كانت غاية الصوفي من تجربته هي البحث عن المقدس، وإذا كان الصوفية على اختلافهم يتصورون طريقا واحدا يسلكونه من أجل معرفة الله سبحانه و تعالى يبتدأ بمجاهدة النفس و يتدرجون فيه شيئا فشيئا من خلال مراحل متعددة تسمى عندهم بالأحوال و المقامات. وإذا كان الصوفية عاشوا من خلال تجربتهم مجموعة من الأحوال والمقامات الذوقية التي تعجز اللغة في غالب الأحيان عن احتوائها فلا يجدون ملجأ غير التعبير عن ذلك بوسائل أخرى شعرا ونثرا أمثال صوفية كبار كابن سبعين([6]) وفريد الدين العطار([7]) وابن الفارض([8]) وغيرهم . فما هي إذن العلاقة التي تربط الصوفي بالرمز؟ وما هي مستويات هذه العلاقة خلال رحلة استكشافه للمقدس . إن العلاقة بين الصوفي والرمز علاقة حميمية لا يستعيض عنها بغيرها حيث يمكن أن نلحظ هذه العلاقة من خلال مستويين اثنين :

*مستوى محاولة الصوفي تفكيك رموز كتاب الوحي وكتاب الكون من خلال بحثه و استكشافه للمقدس .
*مستوى ثان ، وهو محاولته التعبير عن تجربته الصوفية من خلال الرمز وللجوء الصوفية إلى الرمز للتعبير عن أذواقهم أسباب سنفصلها.
إن علاقة الصوفي بالرمز على المستوى الأول علاقة وشيجة حيث أن الصوفي في هذا المستوى يشبه الفيلسوف ([9]) بطريقة ما فهو يستولد المجهول باحثاً عن ماهيات الأشياء في بواطن الأشياء , يبحث عن الماهية والكينونة التي يصعب الوصول إليها من خلال الشروط السفلى التي لا تحترم سمو الأهداف وعلوّها ([10]) يحاول الصوفي على هذا المستوى قراءة رموز الكتابين كتاب الوحي و كتاب الكون للتفكر في آلاء الله من أجل معرفته فهو يلجا في تجربته هاته الى التعبير عن طريق الرمز لأنه يرى أن اللغة عاجزة عن التعبير عن ما يخالج قلبه من ذوق و علوم لدنية ([11]) .
و في قصة حارثة و حديثه عن انه أدرك تمام الايمان دلالة كبرى على قدرة كبيرة للنبي صلى الله عليه و سلم على قراءة علامات ايمان حارثة حيث روي عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر بالنبي - - فقال له : كيف أصبحت يا حارثة ؟ " قال : أصبحت مؤمنا حقا . قال : " انظر ما تقول ; فإن لكل قول حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ " قال : عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . قال : " يا حارثة ، عرفت فالزم ([12]) و قراءة الرسول لعلامات إيمان حارثة في هذا الحديث و تأكيده في موطن آخر عن علامات ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان ، حيث أورد الإمام البخاري –رحمه الله تعالى- في كتاب: الإيمان: باب: حلاوة الإيمان.
حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي -- قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار . فيه قوة بالغة في الدلالة على فكره المتقد و ذكائه الفائق و فراسته الموجهة بنور الوحي كما فيه دلالة ايضا على تنزيله على أرض الواقع و تفعيله للأمر الالهي" اقرأ " فالكون مليء بالآيات التي ينبغي للمسلم أن يفعل ([13]) قلبه بذكر الله عز وجل ليستطيع قراءة الكون القراءة المطلوبة .
الصوفي و تفكيك الرموز أثناء قراءة الوحي و قراءة الكون.
في خضم التجربة الصوفية يزاوج الصوفي بين قراءة الوحي و قراءة الكون من أجل الظفر بالمطلوب و هو الوصول إلى لا منتهى و لا وصول، يقول تعالى و أن إلى ربك المنتهى ([14]) . و هذا لا ينقص من التجربة الصوفية بل يعلي من قيمتها لان الصوفي مهما عرف فإنه لا يزداد الا معرفة بحقيقة كونه جهولا فوصول الصوفي إلى المعرفة هو وصول تيه وحيرة ولقد أشار بن عربي إلى هذا المعنى في كتاب ” الإسفار عن نتائج الأسفار ” ضمن ” رسائل ابن عربي ” حيث يقول : ” الأسفار ثلاثة لا رابع له أثبتها الحق عز وجل، وهي سفر من عنده، وسفر إليه، وسفر فيه، وهذا السفر فيه هو سفر التيه والحيرة “
إن أول امر الهي يستحضره الصوفي أثناء سيره الروحي من أجل الوصول إلى المطلوب هو الأمر الإلهي اقرأ و المقصود بالقراءة هنا كما يرى الدكتور طه جابر العلواني قراءتان قراءة الوحي و كذا قراءة الكون([15]).
قراءة الوحي أي الكتاب المبين الذي نزل عليك يا محمد خاصة و يا أيها الإنسان بصفة عامة فإن كان المخاطب المباشر في الآية هو الرسول صلوات الله و سلامه عليه فان المقصود بالقراءة في هذا الأمر الإلهي هو الإنسان بصفة عامة حتى تستطيع أيها الإنسان حسن خلافة الله في هذه الأرض و تبليغ الأمانة لمن يرثك من أجيال لاحقة فتعلمهم الكتاب و الحكمة فيتزكون بذلك و يحملون المشعل من بعدك.
أما قراءة الكون هي كما سماها طه جابر العلواني قراءة الكون و النظر في الخلق، و معرفة ما دونته الانسانية من تجارب فيه ومن فهم له لذلك فالقرآن نفسه ينبه الى هاتين القراءتين فيحث على تدبر الكتاب كما يحث على التفكر في آيات الله و الاعتبار بالأمم السالفة لذلك فلا غنى لطالب معرفة الحق من القراءتين قراءة كتاب الوحي و قراءة كتاب الكون.
تفكيك الرموز أثناء قراءة كتاب الوحي.
يغوص الصوفي في إدراك المعنى للمصطلح القرآني انطلاقا من منهجه المعتمد على المحاولة الدائمة لأدراك كنه الأشياء وانطلاقاً أيضاً من قناعته بأن الفهم درجات ففهم المبتدئ ليس هو فهم المتقدم و ليس هو فهم الراسخ في العلم و هذه الحقيقة تؤكدها السنة النبوية ، جاء في المستدرك على الصحيحين كتاب الأدب أن رسول قال إن عيسى ابن مريم - صلوات الله عليه وسلامه - قام في بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجاهل فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.([16]) ,يرى الدكتور عبد الحليم محمود في هذا السياق في كتابه عن المدرسة الشاذلية أن الإنسان لا يصير بمجرد قراءته، متصوفًا، على أن ما كتبه كبار الصوفية لا يفهمه إلا من كان أهلاً([17]). و في نفس المضمار قد يسمع الصوفي الخطاب مختلفا عما سمعه الآخر و يؤول ذلك بأن كلا يسمع الخطاب حسب الموقع الذي يتواجد فيه في الطريق فمن طريف ما يحكى عن هذه القضية، ما جاء في المقدمة الثانية من كتاب المنح القدسية في بيان فهم القوم من اللفظ الواحد معان مختلفة للشيخ أحمد العلاوي:
وقد سمعنا مِنْ أهلِ الطريقة أنَّ ثلاثةً سمعوا مناديًا عشَّابًا يبيع السعتر البرِّي فيقول: "يا سَعْتر بَرِّي"، ففهم كل واحد منهم مخاطبةً عن الله مختلفةً عن الآخر. فسمع أحدهم: "اسعَ ترى بِرِّي"، وسمع الآخر: "الساعةَ ترى بِرِّي"، وسمع الثالثُ: "ما أوسع بِرِّي". فالمسموع واحد واختلفَت الأسماع. قال تعالى: "قَدْ عَلِمَ كُلُّ أنَاسٍ مَشْرَبَهُم". وفي مثل هذا المعنى قال الإمام الجيلي في عينيته المشهورة:

إذاغرَّدَت ورقاْ[ء]على غصنِ بانةٍ وجاوبَ قُمْريٌّ على الأيكِ ساجعُ
فأُذْنيَ لم تسمعْ سوى نغمـةِ الهوى ومنكمْ فإنِّي لا مِنَ الطيرِ سامـعُ
فربَّما تكون الكلمةُ ظاهرُها قبيحٌ فيستفيد منها العارف أمرًا مليحًا. إنَّ القوم وإنِ اشتركوا مع غيرهم في ظاهر اللفظ فإنهم مختلفون في القصد. فكما أنهم اشتركوا في المشهود واختلفوا في الشهود فكذلك اشتركوا في المسموع واختلفوا في الأسماع. قال تعالى: "وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِرَاتٌ وجَنَّاتٌ منْ أَعْنَابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِماء واحِدٍ ونُفَضِّـلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأُكُلِ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون" ([18]). فمع أنَّ النباتاتِ تشربُ من ماء واحد فهي مختلفة. قد يسمع الصوفي ما لا يسمع غيرُه فلا يأخذُ من القول إلاَّ أحسنَه. وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: "الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنَه. أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب" ([19]).
و في هذا القصة التي يرويها الصوفية كثيرا دلالة عميقة تنبه لها علماء الدلالة المحدثين أمثال تشومسكي فيما يسمى النحو التوليدي والتحويلي و grammaire générative et transformationnelle و لشرح هذه النظرية نورد قصة مفادها أن الغورو وتلامذتُه كانوا كلما قاموا للصلاة في المساء تأتي قطةٌ وسط المصلِّين وتلهيهم عن صلاتهم. لذلك أمرَ الغورو بربط القطة خلال صلاة العِشاء. وبعد وفاة الغورو ظلَّ القومُ على ربط القطة خلال صلاة العِشاء. وعندما ماتت القطةُ جيءَ بقطة أخرى وربطوها طوال صلاة العشاء. وبعد ذلك بقرون، كتَبَ الفقهاءُ من تلاميذ الغورو رسائلَ فقهية في المغزى الشعائري لربط قطة أثناء إقامة الصلاة.([20])
توضحُ لنا هذه القصةُ كيف تتلقَّى الجماعةُ الرسالةَ اللغوية. إذْ إنها تتعلَّق بحرفية الرسالة تعلُّقًا يُنسيها السياقَ الذي قيلَت فيه هذه الرسالةُ والمغزى الكامنَ وراءها. كانت رسالةُ الغورو الموجَّهةُ إلى تلاميذه هي: "اربطوا القطةَ". هذه الجملة بصيغة الأمر هي البنية السطحية structure de surface للرسالة (بحسب النحو التوليدي والتحويلي grammaire générative et transformationnelle عند تشومسكي). أمَّا البنيةُ العميقةُ structure profonde (deep structure) لتلك الرسالة فهي: "عندما يكونُ هناك قطةٌ تُزعِجُكم أثناءَ إقامتِكم الصلاةَ فاربطوا هذه القطةَ حتى تنتهوا من الصلاة". أيْ أنَّ مُرادَ القول vouloir dire أو المقصودَ منه هو: الانتباهُ والحضورُ وعدمُ تشتيت الفكر في أثناءِ الصلاة. وليسَ المقصودُ فِعْلَ ربط القطة في حد ذاته ولا القطةَ أيضًا. لكنَّ المجموعةَ التقفَت أو تلقَّتِ الأمرَ بحرفيته ناسيةً عن جهلٍ منها أو كسلٍ عقلي سياقَ الأمر والمغزى منه. لم يكنْ مؤدَّى أمرِ الغورو إحضارَ القطة وربطَها، أيْ ليس جلبَ المشكلة، بل إبعادها إذا كانت موجودة. ولكنَّ الذهن البشري مبرمَجٌ على إشغال نفسِه بخلق مشكلة وبالبحث عن حل لها. وهكذا فالصوفي يفهم مصطلحات الخطاب القرآني حسب السياق الذي قيل فيه كما يفهمه أيضا حسب المقام و الحال الذي هو فيه .
يغوص الصوفي بالفهم في الخطاب القرآني فيخرج بفهم أعمق في كل مرة يرتقي فيها و خير مثال نورده في هذا المقام الفرق بين تفسير أهل الظاهر و أهل الباطن و يقصد بهم الصوفية لقوله تعالى في سورة الكهف في آيات قرآنية ثلاث يقص فيها الحق سبحانه مرافقة سيدنا موسى عليه السلام لسيدنا الخضر ذلك العبد الصالح فيقول تعالى في الآية الأولى على لسان الخضر "فأردت أن أعيبها" و في الثانية " فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما " و في الثالثة " فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك".
يرى الصوفي أن هذا الاختلاف في التعبير عن إرادة الفعل له حكمته و لم يأت عبثا و هكذا فكل تعبير من هذه التعابير له علومه وخصوصياته، فهذه الكلمات الثلاث هي حقيقة السير والسلوك إلى الله تعالى، وهي التي تصاحب العبد من أول الأمر في حياته إلى نهايتها، يبين الصوفي المصري أبو العزايم أنه : ([21]) في المرحلة الأولى أثبت الخضر لنفسه وجوداً عبر عنه بقوله فأردت أي أن الخضر هو الذي أراد، مثل ما يقول الإنسان في بداية سيره وسلوكه لقد صليت وصمت وزكيت وحججت وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وإثبات الوجود صدود وإن كان لا غنى عنه في البداية لأنني لم أترقى ولذلك أنسب العمل لنفسي في كل شئ، ففيها بيان مراد العبد، وفيها رؤية المريد لعمله وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ([22]) إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ([23]). وبيان رمز أردت في قوله تعالى وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ([24]) ففيها إثبات كينونة وإثبات وجود وله عمل وهو القتل. ولقول الخضر فأردت مذاق آخر، ولأنها إرادة لفعل ظاهره عيب أمام الجميع .. فقد نسب العيب لنفسه وقال فأردت . إذا ارتقى الإنسان في سيره وسلوكه إلى حضرة ربه فلا يكون له مراد ولكن يتحد مراده بمراد ربه وفى هذا رفعة مقام عبر الخضر عنها بـ أردنا. وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبر أصحابه في البداية أن من يصلى ركعتين في جوف الليل له أجر كذا، وأشياء أخرى من هذا القبيل، وجزاء ذلك دخول الجنة، ورسول الله هو الصادق الأمين، ولكن بعد أن حببهم في الإسلام وارتقوا في أعمالهم من الحسن إلى الأحسن وارتفع شأنهم الروحي قال لهم [ ما منكم من أحد يُدخله عمله الجنة ولا ينجيه من النار إلا برحمة من الله وفضل ] قالوا : يا رسول الله ولا أنت ؟ قال [ ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ] (أخرجه أحمد). ورمز أردنا وهو اتحاد مراد العبد بمراد الرب في قوله تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ([25]) فالذي عذب هو الله ولكن بالأيدي التي ستستعمل لنوال الأجر العظيم .يعبر الإمام أبو العزائم عن ذلك وموجها قوله لربه مبينا مراد العبد ومراد الرب بقوله :
لا وحقك لا أحب ****أن أكون كما أريد
بل مرادي منك أني ****عن مرادك لا أحيد
يا مرادي بل وعوني****أنت لي ركن شديد ([26])
وبالترقي في مسيرة السلوك إلى ملك الملوك وبعد اتحاد مراد العبد بمراد ربه يخفى مراد العبد لينفرد مراد الرب، وهذه المكانة هي المعبر عنها بقوله سبحانه فأراد ربك ، ورمزها قوله سبحانه للمؤمنين ..فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم.. وقوله لرسول الله صلى الله عليه و سلم ..وما رميت إذ رميتَ ولكن الله رمى ([27])، فنفى القتل بعد أن أثبته لهم لينسبه لذاته جل وعلا، ونفى الرمي بعد أن أثبته له صلى الله عليه و سلم ليثبته لذاته عز وجل. وبسمو هذا المقام تختفي أنت ببشريتك الحاجبة ليظهر هو سبحانه بأنوار تجلياته وأسراره ورسول الله صلى الله عليه و سلم يجيب على سؤال جبريل عن الإحسان فيقول [ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ] (رواه البخاري ومسلم في الإيمان)، فإن لم تكن وانتفت كينونتك الحاجبة فإنك تراه، ولكن كيف تراه ؟ والجواب : فإنه يراك، أي تراه به لا بك، فكان سبحانه سمع العبد وبصر العبد ويد العبد مع نزاهته سبحانه وتعالى.
لقد نقل الصوفي دلالة بعض المصطلحات القرآنية من وجود منطقي إلى وجود واقعي فهذا الإمام الشاطبي الذي لا يخفي سلوكه طريق التصوف و ان كان معروفا عند الفقهاء بضلوعه في الفكر المقاصدي ، بل و يذهب إلى أن الصوفية هم صفوة الخلق ([28]) ينقل مصطلح العبدانية ([29]) من المفهوم الخاص إلى المفهوم العام بمعنى أن الناس كلهم عباد لله بالاضطرار فما عليهم إلا الدخول في سلك المسلمين حتى يسموا عبادا لله بالاختيار.
بنفس منهج الشاطبي يتعامل ابن عربي الحاتمي مع مصطلح قرآني آخر هو مصطلح التوكل فلا يميز ابن عربي المتوكل عن غيره كما فعل سابقوه حيث يرى أن كل إنسان متوكل بالاضطرار بمعنى شاء أم أبى لأن الفاعل الحقيقي لكل شيء و في كل شيء هو الله تعالى. و ترى الدكتورة سعاد الحكيم في معجمها الصوفي أن جدلية ابن عربي هاته مع مصطلح التوكل لا تنتهي عند هذا الحد بل تعطي إثباتا بديلا يتميز المتوكل به عن المسمى في العادة غير المتوكل، بالوعي (PRISE DE CONSCIENCE) فالمتوكل هو من وعى هذا الواقع ألتوكلي الحادث.([30])
نفس المنهج نجده مع الصوفي الشهير عبد القادر الجيلاني في مفهوم السجود فسجود المسلم إنما هو السجود الاختياري في حين أن الكون كله ساجد لله تعالى بالاضطرار يقول الحق سبحانه " ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال). ( الرعد/15) " يقول الجيلي

أصلي إذا صلى الأنام وإنما
صلاتي بأني لاعتزازك خاضع ([31])
الى أن يقول :
فأسجد كي أفنى و أفنى عن الفنا
وأسجد أخرى و المتيم والع.

هكذا يتجاوز الجيلي ظاهر الشعائر الدينية إلى باطنها و جوهرها فيقول في الحج مثلا
وإعفاء حلق الرأس ترك رئاستي
و شرط الهي أن المتيم خاضع
و إذا ترك الحجاج تقليم ظفرهم
تركت من الأفعال ما أنا صانع

فرأس البلية عند الصوفي هو حب الرئاسة و الزعامة و رأس الفضيلة التواضع و الخضوع أمام هيبة المتجلي الذي هو الحق سبحانه و عندما يتحلى الصوفي بهذه الخصال يسهل عليه التخلي عن الرذائل من الأفعال([32]).
أسماء الأنبياء الواردة في القرآن الكريم اقترنت بصفات معينة قرأ الصوفي إشاراتها وعلم أن محبة الله لأصفيائه لا تمنع من اختلافهم في المقامات فكذلك مقامات أوليائه و مقامات الراسخين في العلم "علماء أمتي أنبياء بني اسرائيل" فهذا سيدنا موسى عليه السلام كليم الله و محط تجلياته اتخذه الصوفية رمزا لطالبي الحق سبحانه و اتخذوا من جبل الطور رمزا لتعلم أن يجعلوا من القلب جبلا كجبل الطور قابلا لاستقبال التنزلات الرحمانية.
فيقول احد الصوفية وهو ابن الفارض:

آنسْتُ في الحَيّ ناراً
لَيْلاً فَبَشّرْتُ أهلي
قُلْتُ امْكُثُوا فَلَعَلّي
أجِــدْ هُدايَ لَعَلّي
دَنَوْتُ مِنها فكانَتْ
نار المُكَلَّمِ قَبلي
نودِيتُ مِنها جِهاراً
رُدّوا لَيـاليَ وَصلي
حتى إذا ما تَدَانَى ال
ميقَاتُ في جَمْعِ شملي
صارَتْ جِباليَ دكاً
منْ هَيْـــبَةِ المُتَجَلّي
ولاحَ سرٌ خَفيٌ
يَــدْريهِ مَنْ كَانَ مِثْلي
وصِرْتُ مُوسَى زَمَاني
مــــذ صارَ بَعْضِيَ كلّي

و هذا سيدنا ابراهيم أبو الانبياء الذي قال فيه الحق سبحانه "اتخذ الله إبراهيم خليلا لذلك يرى فيه الصوفية رمزا للكمال الإنساني بمعنى أن الله يتخلل إبراهيم و إبراهيم يتخلل جميع ما اتصفت به الذات الإلهية و لكن بطبيعة الحال حسب الطاقة البشرية و هذا لا يعني تفرد إبراهيم بالخلة فالله سبحانه و تعالى يتخلل سائر الكائنات شعروا أو لم يشعروا يقول تعالى "وهو اقرب إليكم من حبل الوريد " ([33]) و إنما فاز سيدنا إبراهيم بهذا الوصف القرآني لارتقائه الشعوري الوعي بمراقبة الحق في كل لحظة و حين فإنما يختلف المسلمون في قربهم من الله عز و جل بمقدار شعورهم ووعيهم بعبادتهم لله عز و جل و هذا بالضبط ما يحاول الصوفي ترقيته في شعوره ووعيه و لذلك أثنى الله سبحانه على المؤمنين الذين فعلوا هذا المعنى في قلوبهم بقوله "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون"([34]) و يرث الصالحون من هذه الأمة من هذه الخلة حسب طاقاتهم و تظهر هذه الخلة حسب ابن عربي في مقام قرب الفرائض و هو يشير في ذلك إلى حديث الولي المعروف الذي رواه الإمام البخاري الذي يقول فيه الرسول صلوات الله و سلامه عليه فيما يرويه عن ربه عز و جل" مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ".

avatar
الجعفري

المساهمات : 281
تاريخ التسجيل : 26/06/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى